محمد سعيد رمضان البوطي

147

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الأساس الثاني ( الأخوة بين المسلمين ) ثم إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، آخى بينهم على الحق والمواساة ، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات ، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم . فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين ، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين ، وجعل أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه وخارجة بن زهير أخوين ، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين ، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين . . وهكذا . . « 10 » . ثم ربط النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذا التآخي بين أفراد الصحابة بنطاق عام من الأخوة والموالاة ، كما سنجد فيما بعد . وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضا ، وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض هذه الظواهر المادية . وظلت حقوق هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى ، حيث نزل في أعقابها قوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الأنفال 8 / 75 ] ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث ، ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوي رحمه ، وأصبح المؤمنون كلهم إخوة . روى البخاري عن ابن عباس قال : « كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نسخت . ثم قال : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء 4 / 33 ] أي من النصر والرفادة والنصيحة . وقد ذهب الميراث « 11 » . العبر والدلائل : وهذا هو الأساس الثاني الذي اعتمده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في سبيل بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية . وإن أهمية هذا الأساس تظهر في الجوانب التالية : أولا : إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها ،

--> ( 10 ) انظر سيرة ابن هشام : 1 / 504 وطبقات ابن سعد : 3 / 2 ( 11 ) رواه البخاري في كتاب التفسير : 5 / 178